يوسف الحجي.. المتفاني بصمت
5-6-2016

د. عبد المحسن الجار الله الخرافي

هناك الكثيرون من رجال الكويت الذين يشهد التاريخ المعاصر بمآثرهم، ومن الصعب أن يطويهم النسيان، لما سطروا من صفحات بيض في مسيرة التاريخ، ولأنهم رجال تحملوا المسؤولية: مسؤولية الدعوة إلى الله، وخدمة عباده المؤمنين، فاستحقوا الشكر والتقدير والتكريم.

ومن هؤلاء الرجال العم يوسف جاسم الحجي، الذي حاز جوائز عدة أبرزها جائزة الملك فيصل العالمية في العمل الخيري، وتوالى تكريم الهيئات له بعد ذلك، حتى تولّدت القناعة عنه بأنه لا يكاد يُذكر العمل الخيري في الكويت إلا ويتبادر إلى الذهن اسم العم يوسف جاسم الحجي.

وقد نشأ في منزل قرب المدرسة المباركية بالكويت، وبين ستة إخوة ذكور وخمس أخوات، ولد يوسف جاسم الحجي في الكويت عام 1341هـ (1923م) ، وقد انحدرت عائلته من بلدة إسليل في وادي الدواسر جنوب المملكة العربية السعودية، قدم الجد الأول «حجي» – بكسر الحاء – إلى الكويت في منتصف القرن التاسع عشر.

وقد كان جاسم محمد الحجي (والد يوسف) يصطحبه لحضور مجالس العلم لدى بعض علماء الكويت من أمثال الشيخ عبدالوهاب بن عبدالله الفارس.

وقد حفرت هذه المجالس - في ذاكرة العم يوسف الحجي - أهمية تلقي العلم من ينابيعه الصافية، والتزود من المعارف والعلوم النافعة.

التحق بمدرسة الملا عثمان عبداللطيف العثمان مع إخوانه، ثم المدرسة المباركية، وتخرج منها عام 1933.

وبين عامي 1936 و 1938 تعلم اللغة الإنكليزية، بمدرسة الأستاذ هاشم البدر.

وقد لخّص العم يوسف الحجي اهتماماته في كلمتين اثنتين هما "العمل الخيري".

وبعد تخرج العم يوسف الحجي من مدرسة هاشم البدر سنة 1938 - وكان عمره 15 عاماً - سافر إلى السعودية ليعمل بوظيفة «كاتب دوام» في شركة أرامكو بالسعودية لعدة سنوات، ورجع إلى الكويت عام 1942، ليعمل بالأعمال الحرة لمدة عام واحد، ثم بدأ يتجه إلى سلك التوظيف الحكومي.

فعيّن موظفاً بوزارة الصحة عام 1944 في قسم المستودعات الطبية، مسؤولاً عن مخزن الأدوية، ثم تدرج في المناصب بالوزارة، وقد صار وكيلاً لوزارة الصحة من عام 1963 إلى عام 1970.

واختير وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية من عام 1976 وظل بها خمس سنوات حتى عام 1981.

تولى رئاسة مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي لمدة عام واحد في الدورة الأولى من 22 أكتوبر عام 1967، حتى 15 أكتوبر 1968، ولمدة عامين في الدورة الثانية من 25 سبتمبر عام 1973، حتى عام 1975.

وقد رشحته سمعته الطيبة لتولي موقع المسؤولية وعضوية العديد من الهيئات الإسلامية والبنوك والهيئات التطوعية، مثل: جمعية الهلال الأحمر الكويتية، وجامعات في أوغندا والنيجر والجامعة الإسلامية في شيتا جونج، وعضوية مجلس الجامعة الإسلامية بإسلام أباد، وبنك دبي الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد برابطة العالم الإسلامي، ونائب رئيس المجلس الأعلى للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة ورئيس جمعية الشيخ عبدالله النوري… وغيرها.

اجتمعت الجهود المخلصة من الشخصيات والهيئات المتعددة في الكويت على إنشاء بنك إسلامي، وكانت التجربة ماثلة أمامهم في بنك دبي الإسلامي وعدة بنوك أخرى في ماليزيا وباكستان، وشارك الكثيرون في إنجاح هذه التجربة بداية من د. عيسى عبده - الأب الروحي - للفكرة تنظيراً وتطبيقاً، وعبدالرحمن العتيقي وزير المالية آنذاك، وكانت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحت قيادة العم يوسف الحجي، الذي كان ركناً أساسياً في إنشاء بيتك والمساهمة في رأسماله، ممثلاً عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، من خلال رؤوس الأموال الوقفية التي تديرها.

ويتحدث العم أبو مجبل (أحمد بزيع الياسين)، والسيد بدر المخيزيم، عن دوره في تأسيس بيت التمويل قائلين: «لما أردنا تأسيس بنك إسلامي، وعلمنا أن هذا من الأمور البعيدة المنال، فكرنا في إنشاء شركة الاستثمارات العامة كبديل يوفر الاستثمارات والتعاملات المالية الموافقة للشريعة الإسلامية والخالية من الربا، وذهبت أنا ويوسف الحجي إلى الوزير المعين، الذي كان يمانع، حتى استمرت المحاولات لعدة أشهر".

حتى وصلنا خبر أن عبدالرحمن العتيقي صار وزيراً للمالية، وأن الدولة ستقوم بإنشاء بنك إسلامي، فتوقفنا عن تقديم الطلب لإنشاء هذه الشركة.

وهيّأ الله بعد ذلك أن يكون يوسف الحجي وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية، ويوافق على مساهمة الوزارة في تأسيس بيت التمويل الكويتي، من خلال رؤوس الأموال الوقفية، بل وساهم في تذليل أي عقبة واجهت إنشائه.

ومن الجدير بالذكر أن ذلك تزامن مع مسؤولية الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح آنذاك عن ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء، وهذا من حُسن الطالع على فكرة إنشاء بيت التمويل الكويتي، حيث كان الشيخ جابر الأحمد، يرحمه الله الداعم الرئيسي بلا منازع لقيام بيت التمويل الكويتي، حينما استمع إلى شرح السيد عبدالرحمن العتيقي والسادة أحمد البزيع، يوسف الحجي، وعبدالله العلي، وتلقاه بالقبول والموافقة.

ويقول العم يوسف الحجي: "نحمد الله على نجاح فكرة الاقتصاد الإسلامي، وإنشائها في عدة مناطق في العالم، خصوصاً في أوروبا، وهذا من توفيق الله سبحانه".

ويشد العم يوسف الحجي على أيدي المسلمين أن يصححوا معاملاتهم بواسطة الاقتصاد الإسلامي، وأن يساهموا في تحويل كل المصارف إلى إسلامية بصورة كاملة شاملة.

ويوضح حفظه الله أن «بيتك» قد قطع شوطاً كبيراً على المستوى المحلي، سواء في ذاته أو بواسطة أولئك الذين تخرجوا في مدرسته، وأسسوا شركات مساهمة لا تتعامل بالربا، وهذا مكسب عظيم لفكرة العمل الاقتصادي الإسلامي، والأمل قائم في أن تتعامل المؤسسات المالية الصناعية والتجارية كلها في بلدنا الحبيب مع البنوك الإسلامية.

يؤكد العم يوسف الحجي أن المصارف الإسلامية تحقق للشركات والمؤسسات الصغيرة والكبيرة على حد سواء أمرين في غاية الأهمية: الأول اطمئنان نفوسهم، وارتياح قلوبهم بأن أموالهم وأرباحهم من الحلال الطيب، والأمر الثاني نمو أموالهم وزيادتها، مع البعد عن الربا ومشاكله الكثيرة ومهالكه.

وقد حصل العم يوسف الحجي على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوغندا الإسلامية.

وحصل أيضاً على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، مناصفة مع الشيخ صالح الحصين رئيس شؤون الحرمين الشريفين، ورئيس مركز الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية.

 

 

 

رئاسته للهيئة.. 25 عاماً من العطاء 

 بقي أن نتوقف عند إحدى أهم المحطات المحورية في حياته المباركة، نسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وان يلبسه ثوب الصحة والعافية، وهي محطة تأسيسه ورئاسته للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية على مدى 25 عاماً.

 إن فكرة إنشاء الهيئة الخيرية تعود إلى عام 1984م، عندما نادي الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي خلال مؤتمر للمصارف الإسلامية كان منعقداً في الكويت حينئذ بضرورة جمع مليار دولار لاستثمارها والإنفاق من عائدها لمقاومة ثالوث الخطر(الفقر والجهل والمرض) والتصدي لحملات التنصير التي تستهدف الأمة، عبر إنشاء مؤسسة خيرية يكون شعارها "ادفع دولاراً تنقذ مسلماً"، رداً على مؤتمر كلورادو الشهير الذي كان من أبرز توصياته التي أطلقها رجالات في الغرب: "ادفع دولاراً تنصّر مسلماً".

 هذا المشروع تحمّس له نخبة من المفكرين والعلماء ورجال الخير المجتمعين في المؤتمر، وبدأوا يتحرّكون باتجاه إنشاء هيئة خيرية عالمية، وكان لكوكبة من رجالات الكويت بصمات واضحة في إقامة هذا الصرح، ومن بينهم الرئيس الفخري للهيئة حالياً ورئيسها السابق العم  يوسف الحجي، والعم الراحل عبدالله المطوع "أبو بدر" رحمه الله، والعم أحمد بزيع الياسين رحمه الله، والعم أحمد سعد الجاسر، والدكتور عبدالرحمن السميط رحمه الله وغيرهم.

  هذه النخبة الكويتية من روّاد العمل الخيري تبنّوا المشروع، وعرضوا فكرته على الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رحمه الله الذي رحّب به وكان خير داعم له،  بإصداره مرسوماً أميرياً بإنشائها، حمل رقم 64 لسنة 1986م، ونصّ على أن تكون الهيئة ذات شخصية اعتبارية، يكون مقرها الكويت، ولها أن تنشئ فروعاً خارج الكويت.

 وفي أعقاب اعتمادها وفق نظامها الأساسي كهيئة مستقلة، متعددة الأنشطة تقدّم خدماتها الإنسانية للمحتاجين في العالم بدون تمييز ودون التدخل في السياسة أو الصراعات العرقية، اجتمع العلماء والمفكرون من جميع أنحاء العالم واختاروا العم يوسف الحجي رئيساً للهيئة الخيرية.

 وظلّ العم يوسف الحجي رئيساً للهيئة لمدة 25 عاماً، اتسع خلال فترة إدارته المباركة نشاط تلك المؤسسة الرائدة ليغطي عشرات الدول، في مواجهة الحاجات المتزايدة للمجتمعات الفقيرة، وارتفاع معدلات المرض والفقر والأمية والبطالة في هذه المجتمعات وخاصة الإسلامية.

وفي عام 2010 رأى العم يوسف الحجي أن تختار الجمعية العامة للهيئة المؤلفة من 160 عضواً يمثلون العالم الإسلامي خليفة آخر، فوقع اختيارهم على الرئيس الحالي والمستشار بالديوان الأميري ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية د.عبدالله المعتوق الذي واصل مسيرة سلفه، وأعطى للعمل الخيري في الكويت دفعة وانطلاقة كبيرة في ميادين الخير والعطاء الإنساني محلياً وإقليمياً ودولياً. 

وتحمل الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية رسالة إنسانية عالمية لتخفيف معاناة البشر أينما كانوا من خلال المساعدات للمحتاجين حول العالم بصرف النظر عن العرق والجنس والدين، وإغاثة المجتمعات المنكوبة في حالات الكوارث والحروب، والعمل على إقامة المشروعات الصحية والتعليمية والإنتاجية والإغاثية والتدريبية حتى شعار: "حتى لا يعود السائل إلى السؤال"، بالتعاون والتنسيق مع الشركاء الإنسانيين في الداخل والخارج.

نسأل الله للعم يوسف الحجي الشفاء العاجل، وللدكتور المعتوق التوفيق والسداد، وللهيئة الخيرية التقدم والازدهار.

أخبار الهيئة
مشاريع خيرية للتبني
تعرف على دليل المشاريع الخيرية،
المشاريع الخيرية للتبنى ومشاريعكم حول العالم

عضوية الهيئة
جديد؟