عبد الستار إيدهي... مؤسس أكبر إمبراطورية خيريّة في باكستان
22-8-2016

حفلت مسيرة رجل الخير الباكستاني عبد الستار إيدهي الملقّب بأشهر فاعل خير في باكستان، بحياة ملؤها الرحمة والعطف على الفقراء والمحتاجين، وقد بدأ العمل الخيري في مقتبل حياته، وظل على هذا الحال حتى  توفي مؤخراً عن عمر ناهز الـ 92 عاماً، تاركاً إمبراطوريّة خيريّة باتت أوسع منظمة مدنيّة في باكستان.

 ويعد عبد الستار إيدهي أشهر القائمين على الأعمال الخيرية ورعاية الفقراء في باكستان، وتوفي في مركز طبي في كراتشي، بعد صراع مع المرض.

 وتوفر مؤسسة إيدهي الخيرية العديد من الخدمات الاجتماعية المجانيّة، من بينها سيارات الإسعاف، وتدير مراكز للأيتام، وتقدم المساعدات لكبار السن والمعاقين.

 وإثر إعلان نبأ وفاته، تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام جوانب من حياته في مجال العمل الخيري.

 وقال عنه مسؤولون رفيعو المستوى: إننا فقدنا واحداً من كبار من خدموا الإنسانية، لقد منح الحب للضعفاء والفقراء والمحتاجين.

 وقال آخرون: إنه كان شخصية أسطورية.. عاش من أجل الآخرين وسعادتهم، ولم نر مثله أبداً، ورشّحته هذه الشخصيات لنيل جائزة نوبل للسلام تقديراً لدوره الخيري والإنساني، وكان قد رشح مرارًا لنيل هذه الجائزة، رغم أنه لم يحصّل كثيرًا من العلم، ولكنه كان دائمًا يرفع لواء خدمة "الإنسانية".

ويقول بعض عارفيه: إن إيدهي يعد الشخصية الأكثر احتراماً في باكستان كلها، وله مكانة لم يبلغها غيره عند الناس.

 وفي عام 2014 تحدّث إيدهي لـ"بي بي سي" عن عمله، وقال: إن البساطة والإخلاص والاجتهاد والانضباط هي أسرار النجاح.

وأضاف: "كل واحد ملزم برعاية الآخرين، هذا هو معنى الإنسانيّة، فلو أن عدداً أكبر من الناس فكّروا بهذه الطريقة، لحلت الكثير من المشاكل".

 وعُرف عبد الستار بالتواضع والبساطة في حياته، وإذ لم يكن يملك إلا عباءتين يلبسهما، وكان يعيش في غرفة متواضعة قرب مركز إدارة مؤسسته.

وتقول عنه زوجته بلقيس التي تدير مؤسسات رعاية النساء والأطفال: "لم يبن عبد الستار بيتاً لأبنائه".

ويقول أنور الكاظمي، السكرتير الخاص لعبد الستار إيدهي: "لم أر إنساناً مثله، فهو فقير يعيش مثل الفقراء رغم شهرته العالمية، ويواصل أعماله رغم مشاكله الصحية".

 ويحظى إيدهي بتقدير واحترام كبيرين في بلاده لأنه كرّس حياته في سبيل خدمة الأكثر فقراً.

ورغم شهرته الفائقة عالمياً، والمبالغ الضخمة التي تمر بين يديه، ظل إيدهي وزوجته يعيشان في غرفتين صغيرتين مع أربعة من أولاده في أحد أزقة مدينة كراتشي، وهو البيت الذي ورثه إيدهي من والدته.

وفي فبراير قال إيدهي لـ "فرانس برس" وقد بان عليه الوهن: "لقد عملت كثيراً. أنا راض عن حياتي".

وفي مطلع العام الجاري عيّن إيدهي ابنه فيصل مديراً لمؤسسته الخيريّة بعد أن أصبح عاجزاً عن الاضطلاع بهذه المهمة.

نشأته ومولده 

 ينحدر إيدهي من ولاية غوجارات الهنديّة، لعائلة من التجار الصغار المسلمين، وانتقل مع أسرته إلى مدينة كراتشي بعد انفصال باكستان عن الهند عام 1947م، وكان يظن أنه سيجد هناك، في هذا البلد المسلم الناشئ، نموذجاً لدولة الرفاه، لكنه عثر على "كل شيء سوى ذلك"، بحسب تعبير ابنه فيصل.

ترك الشاب عبد الستار إيدهي تجارة الأقمشة ليخدم أمه المصابة بالشلل، وليوفّر لها ما تحتاج إليه من التنظيف والاستحمام وتغيير الملابس وغيرها. وبعد معاناة دامت سنوات عديدة، توفيت والدة إيدهي وعمره آنذاك 19 عاماً.

خدم الشاب إيدهي والدته سنوات عديدة، وقرر في أعقاب وفاتها أن يكرّس حياته لخدمة الفقراء والمحتاجين، وهو ما أشار إليه إيدهي في مذكرات حياته، التي نُشرت عام 1996، قائلاً: "لقد أجبرتني معاناة الوالدة على التفكير بالذين يعانون وليس حولهم أحد يعينهم".

وانطلق عبد الستار، مدفوعاً برغبة بإحلال العدل، إلى تعويض فشل الدولة في الحقل الاجتماعي، منشئاً على مدى سنوات مؤسسات لرعاية الأيتام ودوراً للمسنين ومراكز صحية وغير ذلك.

أطلق إيدهي خدماته الإنسانية والإغاثية عام 1951 بصورة بسيطة جداً، من خلال إنشاء مستوصف صغير قرب منزله في مدينة كراتشي يعالج فيه المرضى، كما اشترى لاحقاً سيارة إسعاف ينقل فيها المرضى إلى المستشفيات، ثم أصبحت مؤسسة إيدهي أكبر منظمة خيرية في باكستان، تدير المدارس والمستشفيات وخدمات الإسعاف، عبر كل مناطق البلاد.

في أحد الأحياء الميسورة في مدينة كراتشي حيث الهوّة تزداد بين الفقراء والأغنياء، كان يصدح مكبر الصوت: "السيد ايدهي جالس هنا، وهو ينتظر تبرعاتكم".

ويضع عابرو السبيل مالاً بيد هذا الرجل، أو يلقون عليه تحيّة احترام - وهو بلحيته البيضاء وثيابه الرثة - من الوجوه المعروفة في عموم باكستان وفي خارجها ايضا.

ويقول في كتاب مذكراته: "كان العمل الاجتماعي رسالتي، أردت أن أحرره" من قبضة الأثرياء الذين يفضّلون أن "يفعلوا الإحسان" على أن يشاركوا في إنشاء مؤسسات اجتماعية كبيرة.

وتقدر ميزانية مؤسسته بمليار و500 مليون روبية (20 مليون يورو) سنوياً، معظمها من تبرعات العمال وأبناء الطبقة المتوسطة، وهي ما زالت تنمو وفقاً لابنه فيصل.

 ويصل عدد من تعنى بهم مؤسسات عبد الستار إلى خمسة آلاف و700 شخص من المعوقين ومدمني المخدرات والنساء المعنفات، يتوزعون على 17 مركزاً يعمل فيها ثلاثة آلاف شخص.

رُشّح عبد الستار إيدهي مرات عدة لجائزة نوبل للسلام، وهو مرشح لها هذا العام أيضاً، وقد جمعت عريضة داعمة له للفوز بالجائزة أكثر من 130 ألف توقيع في الأشهر القليلة الماضية.

زوجته بلقيس

بلقيس، زوجة عبد الستار إيدهي، التي بدأت عملها ممرضة في مستوصف إيدهي وتزوج بها إيدهي لاحقاً في عام 1965، هي المشجعة الرئيسة لزوجها على مواصلة أعماله الإنسانية، كما أنها كرّست حياتها لخدمة الفقراء على غرار شريك حياتها. كما لعبت دوراً حيوياً في تطوير أعمال إيدهي الإنسانية والإغاثية التي تجاوزت الحدود الباكستانية، حيث كان لها حضور قوي في لبنان إبان العدوان الإسرائيلي عام 2006، كما وصلت خدمات إيدهي إلى أفغانستان وبنغلاديش.

 بلقيس، الملقبة في باكستان بالشقيقة الكبرى (باجي)، تساعد زوجها في إدارة المؤسسة، كما تقوم برعاية آلاف الأطفال غير المرغوبين من قبل ذويهم بسبب الإعاقات الجسدية أو الذهنية. ناهيك عن إقامة مراكز خاصة للرعاية الاجتماعية للمسنات في عدد من المدن الباكستانية.

وفي كثير من الأحيان يبيت الزوجان في مراكز إيدهي للإشراف على الأعمال الخيرية، ويعيش الزوجان عيشة متواضعة للغاية.

وحسب بلقيس، فإن أكثر المشاريع إدخالاً للمسرة إلى قلبها هو مشروع "المهود"، إذ توضع مهود صغيرة لمن يرغبون بالتخلص من طفل حديث الولادة كتب عليها: "لا تقتلوا طفلاً بريئاً، اتركوه لنا".

في أحد دور الأيتام تقول سحر البالغة من العمر 16 عاماً: "لولا إيدهي لما كنت أظن أني سأعيش".

وهي ستبقى في هذه المؤسسة إلى أن تنهي دروسها وتتزوج بإشراف بلقيس التي تناديها "ماما".

وتضيف: "ماما بلقيس وبابا إيدهي عملا من أجلنا 24 ساعة"،

شبكة سيارات الإسعاف 

وصل عدد شبكة سيارات الإسعاف  إلى 1500 سيارة، من أبرز ما تقدمه المؤسسة للشعب الباكستاني، وهي تعد أكبر مؤسسة إسعافية في العالم. كما تملك المؤسسة ثلاث مروحيات للإسعاف، تستخدمها أثناء الكوارث والأزمات التي تشهدها باكستان بين حين وآخر، كالزلزال المدمر عام 2005، وكالفيضانات الجارفة التي تعرضت لها مناطق واسعة خلال العقد الماضي.

 حالياً تدير المؤسسة نحو ثلاثمائة وثلاثين مركزاً للطوارئ، منتشرة في كل ربوع البلاد، ويعمل فيها نحو ألفي موظف، بينهم 500 امرأة. وامتدت خدمات مؤسسة إيدهي الخيرية للعناية بكل أطياف المجتمع الباكستاني، ولم تترك باباً من أبواب الخير إلا طرقته، فبعد أن قررت الحكومة الباكستانية القضاء على ظاهرة التسول، قرر إيدهي إنشاء دور تأهيل للمتسولين يتم خلالها رعاية المتسولين، كما تقيم المؤسسة عشرات من الموائد المجانيّة في كافة أرجاء البلاد للفقراء والعاطلين عن العمل.

أخبار الهيئة
مشاريع خيرية للتبني
تعرف على دليل المشاريع الخيرية،
المشاريع الخيرية للتبنى ومشاريعكم حول العالم

عضوية الهيئة
جديد؟