حلب .. المسلخ والهولوكوست
26-10-2016

 

تتحدّث الأخبار والمشاهد الواردة يومياً من مدينة حلب السورية عن أوضاع إنسانية كارثيّة، حيث تتصدّر الأخبار أعداد القتلى والمصابين الذين يتساقطون يومياً بالعشرات وربما المئات، فضلاً عن الاستهداف المستمر للمنشآت المدنيّة والصحيّة والمخابز والمرافق والخدمات الأساسيّة، تلك التطورات حوّلت أحوال أهالي المدينة إلى "أهوال" عصيّة على الاحتمال البشري.

 وبينما تستمر هذه المحرقة أو "المسلخ" كما أسماها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لا تعدو ردود الفعل المناشدات والمطالبات والاحتجاجات والإدانات دون فعل يذكر يوقف العدوان المستمر ليلاً ونهاراً، ويعيد لأطفال ونساء المدينة الأمن والأمان.

لا ندري، ماذا ينتظر العالم والمجتمع الدولي حتى يتحرك لإنقاذ حلب من أعمال الإبادة وجرائم الحرب التي تُرتكب بحق أبنائها؟ ماذا يُنتظر والحصار الجائر مطبق على أهلها دون غذاء أو دواء؟ ماذا ينتظر والبشر والشجر والحجر أصبحوا في مرمى الاستهداف على مدار الساعة دون هوادة أو رحمة؟

إن خطورة هذه الأوضاع حدت بالمراقبين والمهتمين أن يطلقوا على ما يجري في حلب عبارات من قبيل "الهولوكوست" و"المحرقة" و"القتل الممنهج"، "الغارات تحرق الأخضر واليابس" وقد أخذت الانتهاكات التي تتنافى مع القانون الإنساني الدولي صوراً عديدة.

أولاً: لا يكاد استهداف المدنيين يتوقف على مدار الساعة، عبر هدم منازلهم فوق رؤوسهم، ويبدو المشهد عصيباً ومروعاً حينما يهرع رجال الدفاع المدني إلى مواقع الأحداث لإنقاذ طفل أو سيدة من تحت الأنقاض، وكل يوم يضاف أرقام بالمئات والعشرات إلى أكثر من 300 ألف قتيل، وهناك إحصاءات وتقديرات تتحدث عن أرقام مضاعفة.

ثانياً: تكشف الصور ومقاطع الفيديو التي تبثها مواقع التواصل الاجتماعي عن مشاهد غاية في البشاعة، حيث الموت الجماعي، واستباحة دماء الأطفال والنساء والمدنيين عامة دون خجل أو مواربة، وكم يكون الأمر مؤثراً وصادماً حينما يعثر رجال الدفاع المدني على طفل مازال حيا تحت الأنقاض، ويحاولون استخراجه وقد فقد ذويه، فمشهد الأطفال المُغبّرين، الذين أمضوا ساعات أو أياماً تحت الأنقاض، مُروع، كما أن كل سكان حلب أصبحوا مطليين بالتراب، والدم المتخثر في أنوف الأطفال وعيونهم، والإعاقات المتنوعة يعجز الطب عن وصفها.

ثالثاً: استمرار الحصار الجائر لأكثر من 300 ألف نفس بشريّة، وسط شح حاد في المواد الغذائية والمعدات الطبية، دون أي استجابة لنداءات الاستغاثة الصادرة من الضحايا أو من المنظمات الأممية أو بعض الدول، ودون أي احترام للأعراف والمواثيق الإنسانية الدولية والشرائع السماوية.

رابعاً: تجاهل نداءات المنظمات الدولية بضرورة فتح ممرات إنسانية فوراً لإجلاء المرضى والجرحى، وتوصيل المساعدات للمحاصرين، وإمعاناً في اللامبالاة وتجاوز الأعراف والقوانين الدولية، يجري استهداف قوافل المساعدات الإنسانية وقتل رجال العمل الإنساني والدفاع المدني، وقد كشف بان كي مون عن فتح تحقيق أممي حول الهجوم على قافلة المساعدات الخاصة بالأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري في حلب يوم 19 سبتمبر الجاري.

خامساً: تشهد حلب ترديّاً شديداً في الوضع الصحي في ظلِّ استهداف المستشفيات والكوادر الطبية ونقص الإمكانات الطبيَّة وعجز المشافي والمراكز الطبية عن استقبال أعداد كبيرة من المصابين، إضافة إلى منع إخلاء الجرحى والمصابين، والخطير أنه لم يَتبقَ في حلب سوى 35 طبيباً من بينهم طبيب نساء واحد وطبيبان للأطفال، هؤلاء يقدمون خدماتهم لنحو 300 ألف مدني محاصر.

سادساً: في الوقت الذي تعلن فيه الأمم المتحدة عن جاهزيتها لإدخال المساعدات للمدنيين إذا توقفت الهجمات وما يسمى بـ"الأعمال العدائية"، نجد أن الأطراف المعنية لا تبالي ولا تسمح بالإجلاء الطبي للحالات الصحية الحرجة، أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل وعدم احترام أي هدنة إنسانية يجري توقيعها.

سابعاً: تعمد تدمير المرافق والبنية التحتية يراكم الأزمة الإنسانية ويهدد حياة المدنيين، حيث يفتقرون للكهرباء والمياه الصالحة للشرب والنقص الحاد في الوقود.

ثامناً: وبينما الحال في تلك المدينة كذلك، يكشف مشهد اللجوء عن جانب مأساوي آخر للوضع الإنساني، فقد أوردت التقارير أن مهندساً لامعاً في حلب يقترب من عقده السادس، وكان مسؤولاً عن أكثر من عشرين مهندساً في مكتبه الخاص الذي أنشأ مدارس ومشافي وعمارات شاهقة، خسر كل شيء، وتحول لاجئاً في هولندا، مجرد تلميذ عليه أن يتقن اللغة الهولندية الصعبة، وأن ينجح في الامتحان، ومسموح له أن يرسب مرتين، وإن رسب في الثالثة تُطبق الحكومة الهولندية بحقه عقوبات محددة.

وفي هذا الإطار تتساءل الكاتبة السورية هيفاء بيطار: هل يبالي قادة العالم وتجار الحروب ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية بمعاناة هذا السوري الذي كان يخدم وطنه وفي قمة عطائه، وكان يشعر بكرامته وإنسانيته، ثم خسر كل شيء، وتحول مكتبه وبيته إلى أنقاض، وهام إخوته وأصدقاؤه في الأرض، من اليونان إلى السويد إلى ألمانيا إلى كندا، وإلى دول الجوار. يُعتبر محظوظاً لأنه لا يزال على قيد الحياة، فالحياة ترف في سورية، والموت لم يعد يُدهش أحداً، حتى إن الطبيعي منه تحول رفاهية.

إن المشهد الإنساني في حلب مخيف ومرعب - كما يقول الكاتب معن البياري -: فلا تكاد تسمع فيه إلا أنّات الموجوعين ومشاهد لأنقاضٍ وخرائب، ودمار وحرائق ونيران، وأسواقٍ مهجورة وبيوتٍ متروكة، لغبار الصواريخ وجنونها، لأطفالٍ جزعين، ومصابين واجمين، ولركام يفتّش فيه ناس ناجون عن ناس سالمين أو مصابين أو موتى. صور من هذا كله، تتخللها مشهدياتٌ أخرى من حلب لمّا كانت عمائر نظيفة، وأسواقاً بهيجة، موحيةً بالأمن والأمان.

هذه بعض ملامح المشهد الإنساني في حلب الجريحة، التي تتصدر أخبارها الدامية نشرات الأخبار في وسائل الإعلام ووكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات الساسة وقادة المنظمات الأممية والإنسانية والحقوقية على مدار الساعة، دون حل يلوح في الأفق، نسأل الله أن يحقن دماء الشعب السوري، وأن يخفف معاناته وأن يعيده على أحضان وطنه في أمن وأمان.

أخبار الهيئة
مشاريع خيرية للتبني
تعرف على دليل المشاريع الخيرية،
المشاريع الخيرية للتبنى ومشاريعكم حول العالم

عضوية الهيئة
جديد؟