التهجير القسري للسوريين والقانون الإنساني الدولي
12-1-2017

 

 

التهجير القسري للسوريين والقانون الإنساني الدولي

 

كم هو مؤلم ومحزن ومدمٍ للقلب أن يخرج الإنسان بأسرته من داره ويجبر على مغادرة وطنه إلى المجهول دون ذنب أو جريرة!!

والأكثر إيلاما ووجعاً أن يتم تهجير هذا الإنسان قسراً على مرأى ومسمع من العالم وعبر وسائل البث الحي المباشر لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي!! من دون ردود فعل تذكر لمنع هذه الجريمة في حق الإنسانية، اللهم باستثناء عبارات القلق والشجب والإدانة الصادرة من هنا وهناك.


 هذا المشهد تابع العالم تفاصيله في سوريا مشكلاً أشد صور الحيف والجور الإنساني بمحاصرة المدن والقرى السورية لقرابة 6 أعوام تحت نير الحمم المنهمرة جواً وبراً من كلّ شكل ولون، صواريخ وقذائف وبراميل متفجرة وقنابل عنقودية، كلّ هذا بخلاف السلاح الكيماوي الذي كان مصاحباً لكلً قصف أو غارة!!، ولم يكن أمام السكان من خيار إلا أن يموتوا قصفاً أو جوعاً أو ينفوا قسراً من الأرض!! ليموتوا برداً وجوعاً أو قهراً وكمداً.

 

والواقع أن تهجير أهل مدينة حلب الشرقية مع انقضاء عام 2016 لم يكن الحدث الأول من نوعه في تاريخ الأزمة السورية منذ اندلاعها في مارس 2011، وربما لن يكون الأخير، فقد تعددت عمليات النفي والإبعاد في أكثر من مدينة وقرية سورية، حيث فشلت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية دولية على مدى سنوات في إدخال مساعدات إنسانية لبعض المناطق المحاصرة، ومنها بلدة مضايا بريف دمشق التي خلّف حصارها أعداداً من الوفيات من الأطفال والنساء الذين بدوا في هياكل عظمية بسبب الجوع، كما أخفق مجلس الأمن في إصدار أي قرار يرفع الحصار وينهي "سياسة التجويع".


 لقد بدأ المشهد من مدينة حلب الشهباء على وقع الغارات المكثفة، مروراً بمحيط العاصمة دمشق وحمص بعد حملة حصار وتجويع لسكان تلك المناطق، وانتهاء بحلب مجدداً، في ظل عجز أممي إزاء هذه التغييرات الديمغرافية على الأرض، وعمليات الاختلال السكاني، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، وتعرض المنشآت الطبية والخدمية والأحياء السكنية والبنى التحتية للتدمير، واستمرار تدفق حشود النازحين على الحدود، مما فاقم الوضع الإنساني لضحايا هذا المخطط.


وتشير التقارير إلى أن عشرات الآلاف من ريفي حلب واللاذقية نزحوا منذ نهاية يناير وحتى فبراير الماضيين إلى الحدود التركية بسبب كثافة القصف الجوي على مناطقهم، ونزح زهاء عشرين ألفاً من بلداتهم وقراهم في جبل التركمان بريف اللاذقية الشمالي (غرب) باتجاه الشريط الحدودي مع تركيا، كما تم تهجير أكثر من خمسين ألفاً من سكان مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي في الفترة نفسها، في ظل وضع مأساوي لهؤلاء النازحين على الحدود السورية التركية وغياب المساعدات الإنسانية وتأخرها.


 ولم تكد تصمد الأصوات المخنوقة في قرية أو مدينة من جراء الحصار الجائر حتى تندلع أزمة في منطقة أخرى كما حدث في محيط العاصمة دمشق التي عانت حصاراً وعمليات تغيير ديمغرافي انتهت بتهجير سكان تلك المناطق، ومصادرة ممتلكاتهم كما حدث في مدينة يبرود ومحيط منطقة الزبداني المحاصرة بريف دمشق والمحاذية للحدود مع لبنان.


وشكّل تهجير سكان داريا بالغوطة الغربية من دمشق منعطفاً خطيراً، فبعد أعوام من الحصار وسياسة التجويع تم إجبار الآلاف من العائلات في 26 أغسطس على الخروج من مدينة داريا إلى إدلب شمالي البلاد، حيث أصبحت المدينة خاوية من أهلها بعد ذلك التاريخ، وتبع ذلك في سبتمبر إجلاء المئات من العائلات من حي الوعر المحاصر في مدينة حمص وسط البلاد إلى ريفها الشمالي، مع استمرار حصار الحي لإجبار من تبقى من السكان على الاستسلام والخروج.


 وبدت المناطق المحاصرة لأعوام تتساقط تباعاً كأحجار الدومينو بعد تهجير سكان داريا، ولم تتحرك الأمم المتحدة إذا ما حدث في حلب وحمص وريف دمشق ومناطق أخرى من مخطط ممنهج من التغيير الديمغرافي والتهجير القسري.


 تحذيرات الأمم المتحدة واعتبارها هذا النهج مخالفاً للقانون الإنساني لم يكن كافياً لوقف الخطط "الممنهجة" لاستكمال عمليات التهجير، التي انتقلت إلى معضمية الشام المجاورة لداريا، حيث تم تهجير الآلاف من أهلها مقابل إدخال المواد الغذائية للمنطقتين، وهو الأمر الذي تكرر في كل من مخيم خان الشيح ومدينة التل على التوالي حيث غادر الآلاف من العائلات إلى ريف إدلب.


 ولم يقتصر مشهد التهجير والنزوح على الداخل السوري، فهناك ملايين اللاجئين السوريين الذين شردوا في جميع أنحاء العالم، مجسدين بذلك مأساة إنسانية كبرى.


قانونيا، يندرج التهجير القسري للسوريين ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وفق قانون القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي يعرفه بأنه: "الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها".

تعرّف اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977 جرائم الحرب بأنها الانتهاكات الجسيمة للقواعد الموضوعة إذا تعلّق الأمر بالتهجير القسري، فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

 

كما أن المادة (7/1 د) من نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، تجرّم عمليات الترحيل أو النقل القسري، حيث تنص على أن «إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، يشكّل جريمة ضد الإنسانية». وبموجب المواد 2 و7 و8 من نظام روما الأساسي، فإن «الإبعاد أو النقل غير المشروعين» يشكّلان جريمة حرب، وتعتبر المادة المتعلقة بحظر نقل السكان من مناطقهم جزءً من القانون الدولي الإنساني العرفي. 


دينياً، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة وقف على الْحَزْوَرَةِ فقال: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك"، ومنذ ذلك الحين والعلماء يستدلون بهذا الحديث الشريف في المناسبات الوطنية تعبيراً عن مكانة الأوطان في قلوب أهلها والانتماء إليها وضرورة الحفاظ عليها والذود عن حياضها.


 وفي هذا الشأن، يرى العلماء أن "التهجير القسري" هو"إكراه رجل آمن في سربه ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه والتضحية بأمواله، وتصفية مركزه والنجاة بشخصه فهو مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو في أواخرها إنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلائل وأحزان".


وخلاصة الأمر، إن عمليات التهجير القسري للسوريين اتخذت صوراً وأشكالاً اتسمت بالوحشية والقسوة وإهدار آدمية الإنسان، لم يسلم منها لا المحارب ولا المسال، وإن كان أغلب ضحاياها من المدنيين الذين يعدون وقود الحروب، وكثيراً ما تعرضوا للتهجير من أراضيهم في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية والشرائع السماوية.

أخبار الهيئة
مشاريع خيرية للتبني
تعرف على دليل المشاريع الخيرية،
المشاريع الخيرية للتبنى ومشاريعكم حول العالم

عضوية الهيئة
جديد؟